السبت، 29 ديسمبر، 2012

أولَّ خطوة في طريق النجاح في الحياة

إن أولَّ خطوة في طريق النجاح في الحياة، والصعود إلى حيث القيم الإنسانية الراقية الفارعة هي الإنصات للآخرين، وحسن الاستماع إليهم..ولكن، وللأسف القليل من الناس من يدرك ذلك، ويعمل بالحكمة القائلة العاقل أو الحكيم ينصت والمجنون يتكلم. فعندما تدرس حياة العظماء تدرك قدرتهم العجيبة على الإنصات للناس..ولا يعنى الإنصات أن تستمع بهدوء لما يقوله الآخر، وإن كان ذلك صعبا على النفس، ثقيلا على الصدر.. كما لا يعني الإنصات أن تتشرب الكلمات القادمة إليك، بل أن تتحسس ما يلف الكلمات من مشاعر فياضة، وما ينسكب معها من شعور جميل..فعندما يبدأ الناس في الإنصات إلى بعضهم البعض تبدأ المعجزات في التحقق..
فنحن نصعد في سلم الرقي حين نُحسن الاستماع إلى بعضنا البعض، ونكف عن مقاطعة بعضنا البعض بهذا الشكل الفض الخشن..إذا كنت تتكلم أكثر مما تستمع فأعلم أنك ستعاني من مشكلة في رحلتك نحو النضوج الإنساني.فالعظمـــة تتطلب الصمتُ والاستماعُ برويةٍ
وأول درجات ارتقاء الروح نحو العظمة هو الإنصات.. لا بد أن تتعلم كيف تقنع نفسَك بأن الآخرين عندهم ما يقولونه.. وأن كلامهم قد ينطوي على فوائدة جمة. . وإذا لم تقنع نفسك بذلك فلن تكن لك الرغبة في الاستماع. فكل إنسان خبَر تجارب عديدة، وعاش أحداثا لا تحصى ولا تُعد، فأمنحه حقّه في أن يُخبرك بذلك. فعندما تُصغي فأنت تمنــح الآخر الفرصَ ليُطْلعك علـى كنوز حياِته، فتحصُل على بعض جواهر الحكمة، وعلى بعض الأسرارِ الهامة
وهذا يضعُك على الدُرج الأول للصعود في سلام النجاح في الحياة، كما يمنحنك سعادة شخصية كبيرة،فالحكيم يكتسب عادة الاستماع الجيدللآخرين ويفهم حقيقة ما يستمع إليه.
وننبه فقط أن هناك دائمــــا عزة نفسٍ في غير موضعها عند ذلك الذي يعتقد أنه يعــرف كل الإجابات، ذلك الذي لا ينقطع أبدا عن الحديث، ولا يترك فرصةً دون أن يملأ المكان بثرثرته..
الإنسان الناضج يُوازن بين ما يقوله وما يستمع إليه، فقد قال "بن جمان فرنكلين" يوما: "الأجــدر بك أن تبقى دائما صامتا، فلو تعطي الانطباع للآخرين أن يظنوا أنك غبيا خير لك من أن تفتح فمك لتزيل شكوكهم.."
فعزة النفس الخاطئة التي تدفعك لعدم الاستماع، وتجعلك تظهر معرفتك وإحاطتك بكل شيء أكثر خطـرا عليك من الصمم، لأنّ التصرف يجعلك تمر بعيدا عن موارد الحكمة.
وقد يُصبح هذا السلوك أكثر سـوءا مع الوقت، فيُعميك عن الحقائق ويجعلك تدفع الثمن مع مـرور الزمن، فبدل اكتشاف الكنوز تعود بخفي حُنين بأيدي فارغـــة…فالأفكار والنصائح والإقترحات التـي يمكن أن تُصبح مِلكَك تضيعُ للأبدإنّ الاستماع للآخر يصنع الجسور بين الناس، ويجعلنا نتعلم التواصل فيما بيننا.. فكم من زواج تحطم، وصداقةٍ ضعفت، وتنظيماتٍ أصيبت بالعجز لأن الناس لا يريدوا أن يصغَوْا إلى بعضهم البعض.
ففي العادة عندما يشرع أحدُنا في الحديث يبدأ الآخر في تحضير نفسنه لمعاكسة رأيه، بدل إن يُحاول فهم ما يقول ولماذا قال ذلك؟
إن العظمة تأتي عندما نتعلم كيف نتأنى عند استقبال أفكار وآراء ومعتقدات الآخرين، فكثير ممن يصحبوننا على مدارج الحياة لا يصعدون معنا، لأنهم ليسوا قادة، وهم لا يعرفــون معنـــى النجاح، وفي الغالب لا يتوفـــرون على الرغبة في العظمة والاستعلاء بالمعنى الإيجابي لهذه الكلمة.
فالواحد من هؤلاء ينطوي حول ذاته، فتُمسي حياتُه جامدة ورديئة، فهو يتمركز حول نفسه، ويحيط فؤاده بسجنٍ إسمُه النفسُ القلقةُ المتذبذبةُ، ويُصبح فريسة للشك والتبرم، ويصير ديدانُه البحث الدائب
عن الأعذار.. فليس عنده القدرةَ على الاستفادة من الآخرين..وأحيانا عندما يتحدث الآخرون يحاول إسكاتهم أو يسترق السمع بطريقة بلهاء، لا معنى لها. وهذا ليس من دأب الذين نجحوا، فهم يشاركون في الحوار ويستخلصون العناصر الجوهرية والجواهرجية، التي تساعدهم على الوصول إلى هدفهم، فهم يقبلون هدايا (هدايا الحكم والأفكار والنصائح)
ممن يُسديها لهم. وهذا خلق نبوي عظيم…الكثير من الناس لا يستطيع حضور الدروس المحاضرات، لأنه يملك تصورا سلبيا قبليا، فهم يجد الأعذار
ليقلل من قيمة أي محاضر، ولكن لا يسأل نفسه كم يزن هو نفسه في ميزان الأفكار والعلم، وكم يملك من جواهر العلم وكنوز المعرفة، بل قد يتحول إلى إنسان سلبي يصد الناس عن الخير وهذا أسوأ؛ فالذي لا يستمع يصبح قاضيا ودعيا، فهو لا ينفتح على الأفكار وعلى النقد، فهو يقرر في كل شيء مع امتلاكه لنصفِ الحقيقة أو أقلِّ من ذلك، فالمجنون يختار نفسَه ليكون محاميا لها..
وكثيرا ما يكون أصحاب المراتب والسلطات أسوأ ضحايا هذا الكِبر الزائف، فهو لا ينجحون في امتحان الإنصات للآخرين، فمنطق الإدارة يستحوذ عليهم فينسيهم أهمية الإنصات، فهم يعتقدون أن من واجبهم عدم الاستماع لأحد، ولا طلب استشارة أحد، فتضيع مصالح العباد مع هذه العزة الفارغة، فمعظم مشاريعِهم هي قرارات تم البت فيها مُسبقا.. 
فيقعون في مصيدة الرداءة، ويصبح تسييرهم للأمور كارثة ووبالا عليهم وعلى مؤسساتهم وعلى زبائنهم.
يجب أن نتعلم كيف ننصت، إن أفضل ما يمكن أن نحصل عليه عندما نستمعللآخرين هو اكتشاف أنفسنا، والتعرف على ما ضاع منا من معرفة وأفكار وحكم، فأنت عندما تقف مع أحد أمضى أكثر من أربعين سنة على ظهر هذا الكوكب، فإنك تحصل على كنوز لا حصر لها: ثقافته، وطريقة اعتنائه بنفسه، وعاداته الجيدة، وما يفضله من أشعار وموسيقـى، طريقة تحليله للأشياء وفهمه للأمور، والأشياء التي تسترعي اهتمامه.. يُعلمك الإصغاء كيف تصبح عامل اتصال ناجح، ويجعلك كثر حساسية وأكثر انفتاحا، وأكثر إنسانية، فهو يمنحك فرصة التعلم العصامي، ويحضرك للحظة التي ستتكلم فيها، وهكذا تصبح أفكارُك أكثر دلالة، وأكثر احتراما، وأكثر فائدة..
حاول أن تشجع محاورك على الكلام، اجعله يتحدث عن تجاربه، عن عمله، عن أعماله، عن رحلاته، أنشى مناخا يشجع الآخر على الحديث، حاول أن تهته بعمق بالآخرين، أظهر لهم احترامك لحياتهم، لما خبروه من أحداث وتعلموه من تجارب، فالذي يتعلم كيف يستمع، يتعلم كيف يحب.
أكثر العلاقات بين الآباء والأبناء، بين المدرس والتلميذ، بين المدرب والرياضي، بين المدراء والعاملين، تقوم على مدى استماع كل طرف للآخر ومعظم الحياة تقوم على الاستماع الجيد، فالحكيم يستمع ثم يفهم، ثم ينتقل إلى الفعل
فعندما نستمع للآخرين فإننا نتعلم كيف نتعلم، وحصاد الذهب الذي نمارسه سيتحول يوما إلى غلة هائلة وافرة.. الاستماع يحول حياتنا بالتدريج، ويجعل ثراء الحياة يصبح جزءا من حياتنا. وإذا لم تلتزم بهذا المدرج الأول في سلم النجاح، فسوف تخسر، وتُصبح حياتك مرتعًا للفشل وخيبات الأمل 
فإذا لم تتعلم الإنصات فلا تفكر في أن تصبح معلما للناس..

إنضم لصفحتنا علي الفيس بوك ليصلك كل ما هو جديد